الشيخ محمد رشيد رضا
56
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وبين المسلمين إلى الجمع بين ما جاء في القرآن العزيز وما يؤخذ من الأناجيل بنوع من التأويل . وهو ان قول القرآن « وما قتلوه يقينا » يشعر بأنه قد حصل ما هو مظنة القتل لأنه صورة من صوره ، ووسيلة من وسائله ، وهو ذلك التعليق على الخشبة الذي كان بدون كسر عظم ولا إصابة عضو رئيسي ولم يطل زمنه فكأنه ليس صلبا . وعندهم أن هذا هو معنى قوله « وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ » وهذا التأويل بعيد وما قررناه من قبل هو الأقرب . وممن ولع بالجمع بين النصرانية البولسية التي تؤخذ من الكتب التي يسمونها العهد الجديد وبين الاسلام قسيس من طائفة الروم الأرثوذكس اسمه ( خريستوفورس جباره ) كان برتبة ارشمندريت وكاديكون مطرانا ، فخلع ثوب ( الكهنوت ) وطفق يدعو إلى التأليف والجمع بين الاسلام والنصرانية ، ويقول بعدم التنافي بينهما ، ويؤلف الكتب في ذلك ، يثبت فيها التوحيد وصدق القرآن ، ونبوة محمد عليه الصلاة والسّلام ، مع صحة الأناجيل وتطبيقها على القرآن ، ولكن لم يستطع أن يؤلف حزبا ، وإنني أعتقد أنه كان مخلصا في عمله ، وكان الأستاذ الامام يحسن الظن فيه أيضا ويرى أن دعوته لا تخلو من فائدة وتمهيد للتأليف بين الناس ، وظهور دين اللّه الحق في جميع البلاد . والحق ان الاسلام هو دين محمد ودين المسيح ودين جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ، ولكن المحال هو الجمع بين دين القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وبين الديانة البولسية المبنية على أن الثلاثة واحد حقيقة والواحد ثلاثة حقيقة ، وعلى عقيدة الصلب والفداء الوثنية . وكيف يمكن الجمع بين التوحيد والتثليث ، وبين عقيدة نجاة الانسان وسعادته بعلمه وعمله ، وعقيدة نجاته بايمانه بلعن ربه لنفسه ، وتعذيبه إياها عن عبيده ، وان لم يتم لربه مراده من ذلك ، ألا إن القرآن هو الجامع المؤلف ، ولكن ترك دعوته المنتمون اليه فكيف يستجيب له المخالف ، فدين التوحيد والتأليف لا يقوم بدعوته أحد ، ولا يحمي دعاته أحد ، ولا يبذل له المال لهداية الناس أحد ، ودين التعديد والفداء تبذل له القناطير المقنطرة من الدنانير ، ويستأجر لدعوته الألوف من المجادلين والعاملين ، وتحميهم الدول القوية بالمدافع والأساطيل ، على اننا لا نيأس من روح اللّه ، فكما وفق